November 2007


شطحات فكرية



في كل المجتمعات على مر العصور ، يكون هناك عدة تيارات فكرية ت
كون مختلفة في الظاهر ، او مختلفة في التفاصيل الدقيقة ، او في طريقة تحقيق الهدف المشترك بينها جميعا ، و هو اصلاح المجتمع لإيصاله الى بر الامان بحيث يكون معتمدا على ذاته ، صالح اخلاقيا ، خلاق و مبتكر ، و متماسك الى ابعد الحدود مثل التيار الليبرالي ، او اليساري او الراديكالي و عندنا الحال غير مختلف عن بقية العالم
و حيث اننا نعيش عصر “الغوغلة” ( عصر ما بعد العولمة ) ، و عصر القطب الواحد و حربه على ما يسمى بالارهاب … الخ
فانه من الطبيعي ان يكون هناك عدة تيارات فرعية داخل الاطار العام تختلف في التفاصيل الدقيقة ، او في طريقة التطبيق و لكنها جميعا مشتركة في الهدف .
ولكن المشكلة في جميع هذه التيارات ، و الملموسة عند عامة الناس هي عدم وجود برنامج فعلي عملي قابل للتطبيق ، مقبول ( بالمبدأ ) من جميع افراد المجتمع و عصري . وهذا ينعكس على شعبية هذا الخطاب ، اي انه كلما وجد برنامج قابل للتطبيق فإن شعبية هذا الخطاب سوف تزداد الى ان يصبح واقعا في ذلك المجتمع وهنا يأتي اختباره ( ناجح او فاشل ). و لكن عدم وجود برنامج ( بخطوطه العريضة )سوف يسبب عزوف الناس عن ذلك الخطاب لصالح خطابات اخرى تملك برنامجا واقعيا ،يلاقي قبولا من افراد المجتمع. و يجب على هذا البرنامج ان يكون متماشيا مع روح العصر الذي نعيش فيه ، غير متعارض مع المبادئ الاساسية الذي يقوم عليها ذلك الخطاب المولد لهذا البرنامج اي ان عصرنة الخطاب بمجمله هي حجر الزاوية لجعله مقبولا ، و بالتالي قابلا للتطبيق … الشق الثاني من شروط قبول الخطاب و تطبيقه من الشعب بالاقتناع ، هو ديناميكية هذا الخطاب و مقدرته على استيعاب الحراك المجتمعي القائم على الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات ، حيث ان هذا الحراك يتاثر تاثرا شديدا بحرية المعلومات في هذا العصر و بالتالي لم يعد المجتمع مجرد مجموعة من الناس تقبل ما يأتيها
بدون اي تحقيق او تمحيص ، بل اصبح المجتمع بفضل هذه الثورة قادرا على الدخول عميقا في ثنايا فكرة ما و نقيضها . وليس على المبدأ القائل
( ما قولكم دام فضلكم ).

اي ان ما يسموون بالمثقفين قد ذابوا في بوتقة هذا المجتمع المعاصر الذي يحكمه المنطق (بشكل جزئي ). و اصبحت عملية اقناع الناس بفكرة ما اصعب بكثير ، لأن الناس لن يؤخذوها كما هي لأنها صادرة من فلان او فلان ، بل سوف يحققون فيها و يمحصونها ، كل حسب تفكيره و منطقه . لكي يقتنع بها او يرفضها. من اهم هذه التيارات ، التيار الداعي الى تطبيق الشريعة الاسلامية في كافة مناحي الحياة لخلق مجتمع اسلامي صالح قوي و متماسك...

و مع تصاعد الصحوة الاسلامية في جميع المجتمعات الاسلامية ، و دخول غير المسلمين في الاسلام باعداد لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث ، والتي بدأت تثير الرعب عند المخططين الاستراتيجيين في الغرب و ما يسمى بالعالم الاول.حيث ان هذا التيار له خصوصية كبيرة في مجتمعنا لما يمثله الاسلام من ثقل في المجتمع ، و قدسيته في نفوسنا حتى عند الغير ملتزمين دينيا . و خوف بعض الانظمة من وصول هذا التيار الى الحكم في وقت من الاوقات و تهديد مصالح بعضها في المنطقة . و الملاحظ عند هذا التيار ، كما في غيره ، هو عدم وجود برنامج عملي قابل للتطبيق يقنع المجتمع بتطبيقه ، و المشكلة الاخرى هي عدم وجود نموذج لدولة اسلامية قائمة يحتذى في عصرنا الحالي ، (اللهم الا تركيا مع احكام قبضة حزب ذا جذور اسلامية على الرئاسات الثلاث ) و النموذجان الاخران ، هما اما غامض ، نخاف منه نتيجة عدم وضوح افكاره في كثير من المسائل و ربما بعضنا يعمد الا محاربته ، و النموذج الاخير ذا افكار واضحة ( لا يقبل ان يعيش تحت رحمته اي انسان عاقل يفكر بمنطق ) مع وجود مثل تلك الافكار في عقول منظريه و مفكريه. وعدم تفكير اتباعه بنتائج تلك الافكار و اتباعهم الاعمى لها. و العبارة الاخيرة تقودنا الى لب مشكلة الخطاب الاسلامي الحالي في مجتمعنا . و هي عدم قدرة القائمين عليه او ممثليه على عصرنته و عدم مقدرة القائمين عليه على جعل هذا الخطاب واقعي مقبول من المجتمع

و الملاحظ ان الخطاب الإسلامي المعاصر الجاري على ألسنة الدّعاة والخطباء والوعّاظ و الشيوخ يعاني وجوها متعدّدة من القصور في لغته، وأسلوبه، وموضوعاته وقضاياه، وأهمّ أوجه هذا القصور أنّه – في الأعم الأغلب – واقع في مكان غير مكانه، وزمان غير زمانه، بمعنى أنّه لم يعد يتّصف بالواقعية التي هي إحدى الخصائص المهمّة لأي خطاب فكري في اي عصر.
اي ان الخطاب الإسلامي الجاري اليوم على تلك الألسنة موغل في أعماق التراث، و يستمد مادته منه مما يجعله غير مناسب لعصرنا الحالي
مع وجود الفضائات المفتوحة و الانترنت و غيرها الكثير. و كلنا يعلم ان المضامين الخطابية الاسلامية نفسها نوعان أحدهما في حكم الثوابت، وهي المعيار لوصف دعوة أو موقف أو تصرف ما بالإسلام، والنوع الآخر اجتهادي، إن التزم بعضه بالثوابت يسري عليه الوصف نفسه

وإن تعددت مساراته وتبدلت بتبدل العلل والظروف. أما ما يشط عن الاجتهاد بعيدا عن الثوابت فلا يكفي وصفه بكلمة “إسلامي” ليكتسب تلقائيا وعن جدارة واستحقاق ما يعنيه هذا الوصف.
وكلنا يعلم ايضا ان المعيار في هذا وذاك ما عرف من الدين بالضرورة، ثم ما اتفق عليه “جمهور” العلماء، فإن شذ عنهم اجتهاد ما، فهم المرجع في اعتباره إسلاميا وإن لم يأخذوا به، أو في الحكم عليه بغير ذلك.
و المعضلة هنا لاتكمن في المضامين الخطابية الاسلامية نفسها كما تمت الاشارة اليا فهي نصوص عامة ثابتة لم تتغير منذ تدوينها بل ان المشكلة تقبع في صلب مجتمعات القائمين على هذا الخطاب بوصفها امتداداً تاريخياً وثقافياً للاسلام، مجتمعات نأت بنفسها عن قراءة الحالة المدنية في الشريعة السلامية ودرجت على استحضارها كمفهوم عقائدي سياسي جامد غير قابل للعصرنة والتحديث..

و لنضرب مثلا على ذلك من المعروف ان كل شيء في هذا الكون مرتبط بالزمان و المكان ، اي ان لا وجود لأي شي سواء كان ماديا او فكريا ، الا اذا كان مرتبطا بزمان معين و مكان معين (التاريخ و الجغرافيا)
و من ضمن هذه الاشياء المرتبطة بالزمان و المكان هي الديانات (ال
اسلام و المسيحية و اليهودية و البوذية …الخ)، اي ان الاسلام قد جاء في زمان و مكان معينيين ، ولم يوقف حركة التاريخ او يغيرها من جذورها و لكنه اصبح تاريخا من تاريخ هذا العالم الذي نعيش فيه. و مثله مثل الديانات الاخرى ، او الاحداث التاريخية الكبرى في هذا العالم. و الخطاب لاسلامي في عصرنا الحالي قد وقع في معضلة تجريد جميع الاقوال و الافعال من سياقها التاريخي و المنطقي و وضعها في قالب جامد لا يمكن ان تتغير او تتبدل ، بتبدل الظروف و العصور. و بالتالي ابتعد عن الواقعية التي هي من اساسيات قبول اي خطاب فكري في اي مجتمع كان ( خصوصا في المجتمعات المعاصرة). فمثلا ، عند تحريم اي شيء في الاسلام ، مثل الزنا و الخمر و الربا واي شيئ اخر محرم (بنص صريح لا يقبل التأويل) فان سبب تحريم هذا الشيء (مبدأ السببية عن ابن رشد) معلوم لعامة الناس لكي يقتنع الناس بأن هذا يضر اكثر مما ينفع و بالتالي سوف يتركونه باقتناع بالاضافة الى اقتناعهم بان هذا الدين حرمه لانه يضر اكثر مما ينفع سوف يزيد اقتناع هذا الانسان باتباع تعاليم الاسلام لأن ذلك الانسان الواعي العاقل قد اقتنع بان هذا الدين يريد ان يحافظ عليه و على صحته و طريقة عيشه ، لأنه قد حرم اشياءً ضارة بالفرد و بالمجتمع.

و نلاحظ ايضا ان الاسلام بتبيانه سبب (التحريم) ، يحترم عقل الانسان ( و هذا من الركائز الاساسية في ديننا الحنيف) ، وليس فقط انه ينهى و يبيح من دون تبيان السبب
المنطقي العلمي المقنع لهذا الحكم او ذاك .
ولكن اذا القينا نظرة على افكار مجتمعات حاملين لواء الخطاب الاسلامي فأنهم ياخذون النصوص كما هي ، بدون اي تفكير في حكمتها و لم قيلت و في اي مناسبة و ماذا كان الظرف التي قيلت فيه ، و يطبقونها على مجتمعنا المعاصر كما هي كأنها اصل من الاصول او مبدأ من المبادئ التي قام عليها الاسلام. و ما يزيد الطين بلة انهم لا يقبلون بإعمال العقل في اي نص او فعل ورد عن الاوائل ، وكأن من قال او فعل هذا فعله بمعزل عن الظروف المحيطة و السياق التاريخي في تلك اللحظة في ذلك المكان يتـــــــبـــــــــــــــع

شطحات



في كل المجتمعات على مر العصور ، يكون هناك عدة تيارات فكرية ت
كون مختلفة في الظاهر ، او مختلفة في التفاصيل الدقيقة ، او في طريقة تحقيق الهدف المشترك بينها جميعا ، و هو اصلاح المجتمع لإيصاله الى بر الامان بحيث يكون معتمدا على ذاته ، صالح اخلاقيا ، خلاق و مبتكر ، و متماسك الى ابعد الحدود مثل التيار الليبرالي ، او اليساري او الراديكالي و عندنا الحال غير مختلف عن بقية العالم
و حيث اننا نعيش عصر “الغوغلة” ( عصر ما بعد العولمة ) ، و عصر القطب الواحد و حربه على ما يسمى بالارهاب … الخ
فانه من الطبيعي ان يكون هناك عدة تيارات فرعية داخل الاطار العام تختلف في التفاصيل الدقيقة ، او في طريقة التطبيق و لكنها جميعا مشتركة في الهدف .
ولكن المشكلة في جميع هذه التيارات ، و الملموسة عند عامة الناس هي عدم وجود برنامج فعلي عملي قابل للتطبيق ، مقبول ( بالمبدأ ) من جميع افراد المجتمع و عصري . وهذا ينعكس على شعبية هذا الخطاب ، اي انه كلما وجد برنامج قابل للتطبيق فإن شعبية هذا الخطاب سوف تزداد الى ان يصبح واقعا في ذلك المجتمع وهنا يأتي اختباره ( ناجح او فاشل ). و لكن عدم وجود برنامج ( بخطوطه العريضة )سوف يسبب عزوف الناس عن ذلك الخطاب لصالح خطابات اخرى تملك برنامجا واقعيا ،يلاقي قبولا من افراد المجتمع. و يجب على هذا البرنامج ان يكون متماشيا مع روح العصر الذي نعيش فيه ، غير متعارض مع المبادئ الاساسية الذي يقوم عليها ذلك الخطاب المولد لهذا البرنامج اي ان عصرنة الخطاب بمجمله هي حجر الزاوية لجعله مقبولا ، و بالتالي قابلا للتطبيق … الشق الثاني من شروط قبول الخطاب و تطبيقه من الشعب بالاقتناع ، هو ديناميكية هذا الخطاب و مقدرته على استيعاب الحراك المجتمعي القائم على الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات ، حيث ان هذا الحراك يتاثر تاثرا شديدا بحرية المعلومات في هذا العصر و بالتالي لم يعد المجتمع مجرد مجموعة من الناس تقبل ما يأتيها
بدون اي تحقيق او تمحيص ، بل اصبح المجتمع بفضل هذه الثورة قادرا على الدخول عميقا في ثنايا فكرة ما و نقيضها . وليس على المبدأ القائل
( ما قولكم دام فضلكم ).

اي ان ما يسموون بالمثقفين قد ذابوا في بوتقة هذا المجتمع المعاصر الذي يحكمه المنطق (بشكل جزئي ). و اصبحت عملية اقناع الناس بفكرة ما اصعب بكثير ، لأن الناس لن يؤخذوها كما هي لأنها صادرة من فلان او فلان ، بل سوف يحققون فيها و يمحصونها ، كل حسب تفكيره و منطقه . لكي يقتنع بها او يرفضها. من اهم هذه التيارات ، التيار الداعي الى تطبيق الشريعة الاسلامية في كافة مناحي الحياة لخلق مجتمع اسلامي صالح قوي و متماسك...

و مع تصاعد الصحوة الاسلامية في جميع المجتمعات الاسلامية ، و دخول غير المسلمين في الاسلام باعداد لم يسبق لها مثيل في العصر الحديث ، والتي بدأت تثير الرعب عند المخططين الاستراتيجيين في الغرب و ما يسمى بالعالم الاول.حيث ان هذا التيار له خصوصية كبيرة في مجتمعنا لما يمثله الاسلام من ثقل في المجتمع ، و قدسيته في نفوسنا حتى عند الغير ملتزمين دينيا . و خوف بعض الانظمة من وصول هذا التيار الى الحكم في وقت من الاوقات و تهديد مصالح بعضها في المنطقة . و الملاحظ عند هذا التيار ، كما في غيره ، هو عدم وجود برنامج عملي قابل للتطبيق يقنع المجتمع بتطبيقه ، و المشكلة الاخرى هي عدم وجود نموذج لدولة اسلامية قائمة يحتذى في عصرنا الحالي ، (اللهم الا تركيا مع احكام قبضة حزب ذا جذور اسلامية على الرئاسات الثلاث ) و النموذجان الاخران ، هما اما غامض ، نخاف منه نتيجة عدم وضوح افكاره في كثير من المسائل و ربما بعضنا يعمد الا محاربته ، و النموذج الاخير ذا افكار واضحة ( لا يقبل ان يعيش تحت رحمته اي انسان عاقل يفكر بمنطق ) مع وجود مثل تلك الافكار في عقول منظريه و مفكريه. وعدم تفكير اتباعه بنتائج تلك الافكار و اتباعهم الاعمى لها. و العبارة الاخيرة تقودنا الى لب مشكلة الخطاب الاسلامي الحالي في مجتمعنا . و هي عدم قدرة القائمين عليه او ممثليه على عصرنته و عدم مقدرة القائمين عليه على جعل هذا الخطاب واقعي مقبول من المجتمع

و الملاحظ ان الخطاب الإسلامي المعاصر الجاري على ألسنة الدّعاة والخطباء والوعّاظ و الشيوخ يعاني وجوها متعدّدة من القصور في لغته، وأسلوبه، وموضوعاته وقضاياه، وأهمّ أوجه هذا القصور أنّه – في الأعم الأغلب – واقع في مكان غير مكانه، وزمان غير زمانه، بمعنى أنّه لم يعد يتّصف بالواقعية التي هي إحدى الخصائص المهمّة لأي خطاب فكري في اي عصر.
اي ان الخطاب الإسلامي الجاري اليوم على تلك الألسنة موغل في أعماق التراث، و يستمد مادته منه مما يجعله غير مناسب لعصرنا الحالي
مع وجود الفضائات المفتوحة و الانترنت و غيرها الكثير. و كلنا يعلم ان المضامين الخطابية الاسلامية نفسها نوعان أحدهما في حكم الثوابت، وهي المعيار لوصف دعوة أو موقف أو تصرف ما بالإسلام، والنوع الآخر اجتهادي، إن التزم بعضه بالثوابت يسري عليه الوصف نفسه

وإن تعددت مساراته وتبدلت بتبدل العلل والظروف. أما ما يشط عن الاجتهاد بعيدا عن الثوابت فلا يكفي وصفه بكلمة “إسلامي” ليكتسب تلقائيا وعن جدارة واستحقاق ما يعنيه هذا الوصف.
وكلنا يعلم ايضا ان المعيار في هذا وذاك ما عرف من الدين بالضرورة، ثم ما اتفق عليه “جمهور” العلماء، فإن شذ عنهم اجتهاد ما، فهم المرجع في اعتباره إسلاميا وإن لم يأخذوا به، أو في الحكم عليه بغير ذلك.
و المعضلة هنا لاتكمن في المضامين الخطابية الاسلامية نفسها كما تمت الاشارة اليا فهي نصوص عامة ثابتة لم تتغير منذ تدوينها بل ان المشكلة تقبع في صلب مجتمعات القائمين على هذا الخطاب بوصفها امتداداً تاريخياً وثقافياً للاسلام، مجتمعات نأت بنفسها عن قراءة الحالة المدنية في الشريعة السلامية ودرجت على استحضارها كمفهوم عقائدي سياسي جامد غير قابل للعصرنة والتحديث..

و لنضرب مثلا على ذلك من المعروف ان كل شيء في هذا الكون مرتبط بالزمان و المكان ، اي ان لا وجود لأي شي سواء كان ماديا او فكريا ، الا اذا كان مرتبطا بزمان معين و مكان معين (التاريخ و الجغرافيا)
و من ضمن هذه الاشياء المرتبطة بالزمان و المكان هي الديانات (ال
اسلام و المسيحية و اليهودية و البوذية …الخ)، اي ان الاسلام قد جاء في زمان و مكان معينيين ، ولم يوقف حركة التاريخ او يغيرها من جذورها و لكنه اصبح تاريخا من تاريخ هذا العالم الذي نعيش فيه. و مثله مثل الديانات الاخرى ، او الاحداث التاريخية الكبرى في هذا العالم. و الخطاب لاسلامي في عصرنا الحالي قد وقع في معضلة تجريد جميع الاقوال و الافعال من سياقها التاريخي و المنطقي و وضعها في قالب جامد لا يمكن ان تتغير او تتبدل ، بتبدل الظروف و العصور. و بالتالي ابتعد عن الواقعية التي هي من اساسيات قبول اي خطاب فكري في اي مجتمع كان ( خصوصا في المجتمعات المعاصرة). فمثلا ، عند تحريم اي شيء في الاسلام ، مثل الزنا و الخمر و الربا واي شيئ اخر محرم (بنص صريح لا يقبل التأويل) فان سبب تحريم هذا الشيء (مبدأ السببية عن ابن رشد) معلوم لعامة الناس لكي يقتنع الناس بأن هذا يضر اكثر مما ينفع و بالتالي سوف يتركونه باقتناع بالاضافة الى اقتناعهم بان هذا الدين حرمه لانه يضر اكثر مما ينفع سوف يزيد اقتناع هذا الانسان باتباع تعاليم الاسلام لأن ذلك الانسان الواعي العاقل قد اقتنع بان هذا الدين يريد ان يحافظ عليه و على صحته و طريقة عيشه ، لأنه قد حرم اشياءً ضارة بالفرد و بالمجتمع.

و نلاحظ ايضا ان الاسلام بتبيانه سبب (التحريم) ، يحترم عقل الانسان ( و هذا من الركائز الاساسية في ديننا الحنيف) ، وليس فقط انه ينهى و يبيح من دون تبيان السبب
المنطقي العلمي المقنع لهذا الحكم او ذاك .
ولكن اذا القينا نظرة على افكار مجتمعات حاملين لواء الخطاب الاسلامي فأنهم ياخذون النصوص كما هي ، بدون اي تفكير في حكمتها و لم قيلت و في اي مناسبة و ماذا كان الظرف التي قيلت فيه ، و يطبقونها على مجتمعنا المعاصر كما هي كأنها اصل من الاصول او مبدأ من المبادئ التي قام عليها الاسلام. و ما يزيد الطين بلة انهم لا يقبلون بإعمال العقل في اي نص او فعل ورد عن الاوائل ، وكأن من قال او فعل هذا فعله بمعزل عن الظروف المحيطة و السياق التاريخي في تلك اللحظة في ذلك المكان يتـــــــبـــــــــــــــع