حجاب المرأة
موضوع شائك في ثقافتنا العربية الشرقية الاسلامية ، لا احد يستطيع الخوض فيه من جهة واحدة فقط
فقد اختلط فيه الدين ، مع العادات و التقاليد ، مع الحضارة و الحداثة ، مع الفكر المجتمعي و تغيره و تجدده و كأن الخائض لهذا موضوع انما يمشي في حقل الغام و لا يستطيع اغفال اي جانب من جوانب هذا الموضوع لتأثير هذه الجوانب الكبير على موضوع الحجاب بمجمله في مجتمعنا المحافظ ( مع التحفظ على الكلمة ) و بصراحة ولم ارد الخوض في مثل هكذا موضوع كهذا ، الا بعد ان رأيته مدخلا لموضوع اكبر منه كثيرا ، موضوع يختلط فيه المجتمعي بالديني بالسياسي و لا يعرف من اين بدا و كيف سينتهي مع استمراره بقوة في زمننا هذا
فمن البابا ، الى الرسوم المسيئة للنبي محمد ، الى فاروق حسني و تصريحاته عن الحجاب ، الى السيد بوش و زلات لسانه التي لا تنتهي ، نقف مشدوهين امام هذه المواقف من الاسلام كدين ، و تعاليمه و اسباب كل هذه الحملات
و نقف مشدوهين اكثر امام كيفية ردة فعلنا نحن ، كمسلمين ، رسميين و غير رسميين ، علمانيين و متدينيين ، معتدل و متطرف ، تجديدي و سلفي ، هو ردة الفعل المتشنجة على كل ما يمت لهذه الحملات بصلة ، او بالاحرى كل ما يمت لديننا و تعاليمه بصلة ، بصفتنا نتعامل مع ديننا و تعاليمه بعاطفية شديدة ، و قد انتقلنا من مرحلة تقديس رب التعاليم الى تقديس التعاليم نفسها . و اغلاق باب الاجتهاد في اغلب المسائل التى لم يرد فيها نص صريح ، او تشريع يرقى الى مستوى الالزام ، او بما يطلق عليه الامور المستجدة .
و المعروف ان الاسلام نظريا صالح لكل زمان و مكان ، ولكن عند تحليل المضامين الخطابية الاسلامية الصادرة عن مجتمعات القائمين عليها ايا كان مسماهم و انتمائهم ، في عصرنا الحالي انما نجد انها موغلة في اعماق التراث ، و ان هذه المضامين الخطابية انما هي بعيدة كل البعد عن الحراك المجتمعي في عصرنا الحالي ، و تعاني هذه المضامين من القصور في لغتها ، و اسلوبها و اهدافها و قضاياها ، مما يجعلها واقعة في زمان غير زمانها و مكان غير مكانها و مجتمع غير مجتمعها . مجتمعات نأت بنفسها عن استحضار الحالة المدنية في الشريعة الاسلامية و استحضرتها كمفهوم عقائدي جامد ، غير قابل للنقاش او المجادلة . بحجة ان الاوائل قد اجتهدوا في هذه القضايا و اصدروا حكمهم و فتاويهم فيها. و غاب عن عقولهم ان الاوائل قد اصدروا فتاويهم بناء على ظروف مجتمعية و تاريخية و سياسية في ذلك الوقت ، و ان عقلية المجتمع قد تغيرت ، و الظروف و العلل قد تغيرت تغيرا جذريا.
و المعروف ان قفل باب الاجتهاد الذي فتحه الاسلام لأي كان ، في اي زمان و مكان ، بواسطة اي شخص او سلطة اعتبارية ، دينية كانت ، سياسية او مجتمعية ، انما يعني ان تمحيص الادلة و العلل و الظروف المتعلقة برأي معين انما مسموح به مرة واحدة فقط ، و تظل نتيجة ذلك الاجتهاد قائمة الى نهاية الزمان ، بغض النظر عن تبدل المجتمع ، الظروف التاريخية او حتى الجغرافيا. و هو الامر الذي يعني بالضرورة قمع حرية الشك في رأي معين ، و هي حرية اساسية في تقدم اية امة و اي حضارة.

في واقع الامر ، ان الاديان و الشرائع السماوية ، قد اتت الى البشر لتحرر الانسان من الجهل و الخوف و تنقلهم من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ، تنقلهم من الخرافات و الخزعبلات و المشعوذين الى عبادة من له سلطة مطلقة على هذا الكون الواسع. ولكن يبدو ان بعضا من هؤلاء المشعوذون عد نجحوا في الانتقال الى الدين و السياسة و المجتمعيون ، مبقين المجتمع محصورا داخل تعاليم و طقوس باسم الدين ما انزل الله بها من سلطان ، و تعاليم عقائدية دائمة يصوفونها للمجتمع بانها الحقيقة المطلقة ، و من يحاول انتقادها فانه يوصف بالملحد و الكافر ، مانحين انفسهم الحق الحصري في تأويل و تفسير النصوص ، و التاريخ الاسلامي مليئ بشتى الامثلة عن علماء و فلاسفة و مفكرين دفعوا حياتهم ضحية للفكر المتطرف الذي ينظر الى الانسان كخادم لله ، و انه مسير و ليس مخير
و يجب علينا دائما كافراد مسلمين نعيش في مجتمع ، اختلطت فيه تعاليم الاسلام بالعادات و التقاليد ، و بالاحداث السياسية و الاجتماعية السائدة منذ فترة الخمسينيات الى يومنا الحالي ، ان ننظر دائما الى النصوص و من بعدها تأويلات تلك النصوص ، انها تعيش فينا ، و تؤثر بمجتمعنا ، فاغلب مجتمعنا يلتزم بهذه التعاليم بطرق متفاوته ، و يجب ان لا يغيب عن بالنا ان تعاليم الاسلام قد اختلطت بالعادات و التقاليد في مجتمعاتنا عادات و تقاليد تميل كفتها ناحية الرجال بالمطلق ، و هذا اغرى مجتمعاتنا الذكورية الى استخدام الدين و تأويلات نصوصه كوسيلة لادامة السيطرة على المرأة ، بمسوغات تتخفى تحت عباءة الدين. و القداسة.
و تاثير هذا هو ما نراه في شوارعنا حاليا ، فنحن نرى الكثير من البنات اللواتي يرتدين الحجاب لا لاقتناع و انما تحت تأثير ضغط المجتمع و ضغط العائلة ( شرف العائلة ) ، بمعزل عن اقتناعهن او فهمهن للنصوص الدينية الواردة في هذا البند. و تم تلخيص الحجاب انه الغطاء الساتر للرأس ، و نسينا ان الحجاب اولا هو حجاب النفس ، حجاب الاخلاق ، وان امرأة غير محجبة مع وجود الاخلاق المتزنة و الشخصية العاقلة ، هي افضل من المحجبة ، او لنقل المغطية لشعرها بدون اخلاق …
خلاصة هذا كله …
ان الحجاب ما هو الا مثال بسيط على الاشكالية الحالية ، و علاقه الاسلام ، بالاجتهادات الموروثة ، و التراث العربي و العادات و التقاليد و ثقافة المجتمع نفسه… حيث ان هذه الاشكالية تتجاوز الحجاب نفسه لتتطور و تصبح اشكالية كيفية تأويل النص ، و متى و اين تم تأويل هذا النص او ذاك .
فاذا اردنا ان نحيا في هذا العالم ، و يظل ديننا جذابا كما كان ، فانه يجب اعادة النظر ، بكل المعاني و التأويلات بما يرقى لما يحتاجه هذا العصر من مرونة في التعاطي مع الاشياء و الافكار ، و عدم اسقاط الموروث الفقهي من العصور السابقة عنوة على عصرنا الحالي ، مع عدم نسيان اننا نمتلك موروثا حضاريا هائلا غير الفقه من فكر و فلسفة و ادب و ثقافة ، و هذا كله مهمل و غير مستعمل ، فنحن نمتلك اشخاصا كأبن رشد و ابن خلدون و ابن سينا و الفارابي و غيرهم الكثير ، و لكن تشبثنا بما هو قديم ، لأنه قديم ، انما هو التخلف بعينه.
و لفعل هذا يجب علينا اعادة النظر بالمنظومة الثقافية و الفكرية و الفقهية الحالية ، و هذا يلزمه منا العارك الطاحنة الكثير التي لا مناص من خوضها في النهاية…
و اختم بمقولة للعلامة ابن رشد ، تبين موروثنا الحضاري الهائل و المهمل في نفس الوقت من كتابه فصل المقال
” التوافق بين المعقول و المنقول ، وإذا كان الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية، فكم بالحري أن يفعل ذلك صاحب علم البرهان. فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف عنده قياس يقيني. ونحن نقطع قطعاً كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن. “

January 11, 2008 at 9:50 pm
مقال رائع بالفعل.. كلام سديد جدّا و الأستشاد بابن رشد احد اهم المقولات العقلانية في التاريخ. العربي و الإسلامي
لكن للأسف، نعيش في زمن الامير الذي تصدّى له ابن رشد، و دفع الثمن، باهظا لعقله
January 12, 2008 at 4:04 pm
heheh dear u r getting ur self in more trobles every day ,but 100% supports u. we should stand against all whats called stupid norms and noneffective cultural aspects.another gr8 post.
January 12, 2008 at 7:56 pm
قويدر
فعلا
ابن رشد كان من الجرأة بحيث انه طالب بعادة تأويل النصوص حسب الزمان و المكان و العقل
و للاسف
تراثه مهمل هو و غيره
January 22, 2008 at 9:00 am
أعجبني الموضوع و لكن عندي سؤال أكبر من الاجتهاد و من الحجاب و غيره من تعاليم دينية:
إذا كان الدين الإسلامي متمماً لما جاء قبله و ديناً كاملاً و مرسلاً من رب كامل لا تأخذه سنة و لا نوم و يعلم ما مضى و ما سيأتي, إذاً لماذا هذا النقص في الدين و لماذا هذه الثغرات المتمثلة بالمشاكل التي يواجهها المسلمون؟ و إن شئت أن تقول أن الدين كامل و المسلمون بشر يخطئون, فلم لم يتوقع الله ذلك و يجعل تعاليمه متناسبة مع النقص البشري أو يمحو النقص البشري من البداية؟
هناك ثغرات في فلسفة الدين تفترض النقص دائماً في البشر و الكمال في الله و الدين, مع أنها في الحقيقة لا تزيد على الواقع شيئاً فمعلوم أن البشر خطاؤون لكن الطرف الآخر من المعادلة منزه نظرياً و ليس عملياً كما نرى.
January 23, 2008 at 6:35 pm
Tololy
انت بفرضيتك الاولى تناقضين نفسك… فانت تفرضين ان الدين الاسلامي صالح لكل زمان من عند رب منزه و هذا صحيح
ولكن لو فرضنا ان الله جعل البشر كاملين فلن نرى تطور مجتمعي على مر التاريخ و ولن تصبح للحياة اي معنى
اما وجود دين يراعي اخطاء البشر فان هذا الدين يجب ان يرتبط بزمان و مكان معينيين ليراعي اخطاء المجتمع في ذلك الزمان و المكان
وانت بذلك
اما تريدين ان تمنعي التطور الاجتماعي الطبيعي عبر التاريخ
او انك تنفين صفة الصلاح لكل زمان و مكان عن الدين الاسلامي
مع ملاحظة ان الدين مكون من نصوص ثابتة لا يختلف فيها
و احكام تتغير مع تغير العلل و الظروف و المجتمع
و الخلل هنا في التطبيق لبس الا
January 24, 2008 at 12:05 pm
عزيزي,
لم أناقض نفسي على الإطلاق. لأجل الحوار قلت “لو افترضنا” كما يزعم المسلمون أن دينهم كامل, إذاً أين هذا الكمال على أرض الواقع و لم يحتوي الإسلام على الثغرات و المشاكل و غيرها بدليل التطبيق الذي أشرت إليه مشكوراً. فإن, و هنا أفترض كما يزعم المسلمون, كان كاملاً فأليس من الأحرى أن يكون التطبيق كاملاً كذلك؟
دائماً كما أشرت سابقاً يلوم المسلمون أنفسهم على التطبيق الخاطىء للدين و ما إلى ذلك, فما هو هذا الدين و الإله الذي لم يتوقع أن يخطئ البشر الذين خلقهم -كما يقال- إلا بمقدار؟ و ما نراه اليوم و منذ عصور طويلة ما هو إلا دليل على أن الإسلام عملياً غير قابل للتطبيق على أرض الواقع لأنه غير كامل.
شخصياً, أنا لا أرى لماذا يجب أن يكون للحياة معنى ميتافيزيقي و لا أرى لماذا لا يستوعب الناس فكرة أنهم غير كاملين و قد أنتجوا ديانات غير كاملة و لم ترسل إليهم من رب كامل. التطور الذي وصلت إليه البشرية كان بمجهود أشخاص مثلي و مثلك, و ليس بمجهود شخصية أبوية كاملة ترشدهم و لا يرونها بل يقرؤون عنها في نصوص كتبها غيرهم و يقدسونها.
سأنهي “هرطقتي ” هنا و لكن شكراً على سعة صدرك. للحديث بقية
January 24, 2008 at 10:04 pm
tololy
لا يوجد ما يسمى ” تطبيق كامل ” لا في تطبيق الديانات او في اي تطبيق اخر
و الحقيقة المطلقة غير موجودة في هذا العالم ، فلا يوجد شيء كامل ، و لا يوجد شيء يمثل الشر المطلق او الخير المطلق
و بما انك تنادين بأن يستوعب الناس انهم غير كاملين ، فكيف تطلبين ان يكون تطبيقهم لأي شيء كاملا .
و كما اوضحت سابقا ، عملية ايجاد دين كامل انما تمنع التطور الطبيعي و الاجتماعي لاي جماعة من الناس لأن الظروف تتغير تبعا لتغير الزمان و المكان
و لا اعلم ما رأيته عبر العصور الطويلة ولكن يجب دائما ( من وجهة نظري ) ربط اي مقوله او تصرف بالزمان و المكان اللذان احاطا بهما لنضعه في مكانه الصحيح
اما وجهة النظر الشخصية فانا احترمها و لكن هناك رأي بسيط اود طرحه هنا و هي
ان الدين ( اي دين ) يمكن تعريفه بانه المثل و القيم و الخبرات التي تتطور ضمن المنظومة الثقافية و الاجتماعية للجماعة البشرية
و لكن بالمقابل لا يمكننا فصل كل هذه الخبرات و التجارب عن وجود الاحساس بعدم الامان ، احساس العجز المطلق عند الانسان ، بوجود قوى غير قادر ان يسيطر عليها و اشياء لا يستطيع ان يفهمها
فالدين ايضا هو الوعي و الادراك لوجود مثل هذه الاشياء ، و الانسان دائما بحاجة الى قوة يمكنه اللجوء اليها في حالة الضعف بغض النظر كيف تتمثل و ما شكل هذه القوة ،
و نعم التطور الذي نلحظه اليوم ، هو موجود من اناس مثلي و مثلك و لكن وجود قوة خفية توجههم هو موجود في حاجة الانسان الى الشعور بالامان ، بان هناك قوة يمكنه اللجوء اليها في حالة عجزه عن الفهم او المواجهة