الكل يعلم اننا في العام الثامن من الالفية الثالثة… و من الطبيعي ان يكون الشباب هم حماة و بناة و امل اي امة و مجتمع سواء كانت هذه الامة متفرجة على الحضارة ، نائمة عن التاريخ ( مثل امتنا ) او امة راقية متقدمة تستمد شرعيتها و تجددها من ذاتها ، الى ان تخبو و تموت مثلما يقول المثل الفرنسي…

و حيث اننا في العام الثامن من الالفية الثالثة ، و بحكم عصرنا فان هناك العشرات بل المئات من المصادر التي يحصل من الانسان على المعلومة سواء كانت دينية ، اجتماعية ، ثقافية او علمية ، اي نوع من المعلومات يمكنك ايجاده بسهولة و يسر…

و النتيجة المنطقية لوفرة هذه المعلومات هي زيادة الوعي و الفهم و التحفيز على التفكير و الاستنتاج و الاستقراء ( خصوصا عند الشباب)… و لكن هذا للأسف الشديد لم يحدث، فمعظمنا ان لم يكن كلنا تقريبا يعيش حالة من البلبلة و الحول كلما عرضت اي مسألة ( اي كانت درجة بساطتها) للنقاش ، مسألة علمية ( و انا اشك ان لا احد يتكلم في هذا الموضوع بعد الان) او دينية ( نحرم هذا و نكفر ذاك) او حتى ثقافية ( يا زلمة سيبك هي الناس لاقية توكل).

و كلنا يعلم ان العيب ليس في وفرة المعلومات و لا في المطابع او الانترنت ، بل هو في عقول البشر الذين يستخدمون هذه الوسائل و التقنيات ( لا لشيء الا للترف و النفخة الكاذبة الممزوجة بشيء من الجهل )

و الاخطر من هذا كله ، هو التعصب للمعلومات القديمة نفسها بدون فتحها للنقاش الجدي العقلي ، سواء كانت هذه المعلومات المبني عليها قناعات هي عقائدية ام فكرية او حتى ثقافية ، و كل جماعة او حزب او طائفة ، له ( علمائه ) و فضائياته و مجلاته و كتبه و صحفه ، وكل واحد بما لديه فرح … و الابلى من ذلك انه يتهم الطرف الاخر بعدم الجدية في الحوار العقلاني للوصول ارضية مشتركة للنقاش ، متناسين ان هناك ادابا للخلاف لا يمكن لأي حوار عقلاني ان يتجاوزها.

و عند النظر في هذا المشهد المروع عن قرب نكتشف الحقيقة المرة ، بان معظم قناعاتنا ، و ثقافتنا و عقائدنا هي سماعية مع تحييد عامل العقل ، فرغم وجود كمية هائلة من الكتب ، و الصحف و المجلات ، و كمية لا بأس بها ممن يسمون انفسهم علماء ( لا يأتيهم الباطل من بين يديهم و لا من خلفهم)… الا ان معظمهم ان لم يكن كلهم قد تلقوا ثقافتهم سماعيا عن اناس اقدم منهم و هكذا دواليك… فالشيخ الفلاني قال ان هذا جائز من على منبر الجمعة في جامع كذا…
و الواعظة الفلانية قالت في درس الدين الماضي قال ان هذا ( الذي قال عنه الشيخ الفلاني انه حلال انما هو حرام)…
اما الشيخ علانتان في برنامجه الشهير على فضائية سين ناقش هذا الموضوع و النتيجة ان الاثنين السابقين لا يفقهون من الدين شيئا. وبما اننا امة غير قارئة فانه من الاسهل لنا ان نسمع . وكل شخص يسمع ما يعجبه من الذي يعجبه
مع تحييد عامل العقل واذا اردت استخدام ما حباك الله به فالويل لك كل الويل

و السؤال الان نحن ممن نسمع

و الجواب هو … اما شخص تلقى تعليماً دينياً تقليدياً ينحاز وبشدة للأفكار القديمة أياً كانت درجة تشدد بعضها وبعدها عن مستجدات العصر ، وإما شخص مع التجديد السطحي الغبي الذي يتطرق إلى النص بنية هدمه ويتمادى في “التفتيق” في النصوص الصريحة وتنكشف معيلته بمجرد توجيه أتفه سؤال إليه، ويرى في اجتهاداته الحق المطلق ومن يعترض فهو متطرف متشدد قامع للفكر …الخ ، وإما شخص تلعب به فانلته الدينية في كل اتجاه ، وينتهز أي فرصة للدعاية لفانلته ، حتى ولو دفعه ذلك للعب بالفتوى لعب.. وإما معتدلين وهم قلة يخاطبون العقل ويعملون النص (سواء أكان من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة) بفهم لشكل النص ومضمونه وروحه..وللمرونة التي أتاح بها الدين نفسه إدارة شئون الدنيا دون الانتظار للفتاوى .. وهؤلاء قليلون لأنه لا يوجد معتدل يعلق على صدره يافطة مكتوب عليها “معتدل” ، كما لا يوجد متطرف يعلق على صدره يافطة مكتوب عليها “متطرف”!

و اضف الى ذلك بعظ الظروف الخارجية مثل انعدام ثقة الناس بالمؤسسة الدينية بعد سيل الفتاوى التي نشروها شرقا و غربا ، و ظهور جماعات تريد فرض ما تراه بالعنف ، و محاولات بعض الجماعات اللعب على الحبل السياسي و دخول اللعبة السياسية , و صحوة الصراع على الزعامة الدينية في العالم الاسلامي في دين لا كهنوتيه او بابوية فيه…

فما قولكم دام فضلكم…