من لا يتطور سيموت ، مثل فرنسي قديم صحيح مئة بالمئة ، فان الذي لا يتكيف مع مستجدات عالمه هو لا
محالة زائل سواء كان هذا التطور تطور ملموس مثل صنع ادوات تساعد هذا الانسان على مهام حياته
او التطور الاهم من ذلك ، التطور الفكري الذي يجب ان يسبق التطور المعيشي للارتقاء بحياة اي مجتمع

كنت في الفترة السابقة في اجازة في (فلسطين) في قرية في مكان ما بين مدينتي نابلس و طولكرم
تحاول جاهدة ان تتحول الى ظل مدينة ، ولكن ابنية القرية هي التي تتحول ،
و عقلية السكان تبقى كما هي ، لا تتحول او تتبدل ، و لكم ان تتخيلوا ما هي نتيجة ذلك

امضيت هناك فترة احتفالات (اولاد عمنا ) بعيد استقلالهم و نكبتنا الستين
، رأيت الارض وعايشت الناس رأيتهم كيف يعيشون و ما هي افكارهم حول ما يدور حاليا بصفتهم
الشعب الذي يعيش تحت الاحتلال. و هو الذي يعيش اكبر تبعات الذكرى الستين لنكبتنا و استقلالهم.

و الكل يعلم ان اي احتلال يجب عليه ان يهزم اي امة فكريا ، ليسيطر على عقول افراد تلك الامة ، لكي
يسهل عليه اخذها بالقوة باقل الخسائر الممكنة ، و لطمس اي حركة مقاومة في مهدها لكي لا تقوم لها
قائمة. و هذا المبدأ يطبقه اي احتلال استطياني يريد ان يعمر طويلا في اي ارض ، و هنا يأتي دور
ذلك المجتمع المحتل ( بفتح التاء) ، بأن يبني افراده منظومة فكرية متينة نابعة من ثقافة الارض التي
يعيشون فيها ، لمقاومة هذا الاحتلال الخارجي الذي يريد ان يستوطن ، و لتشكيل رد فعل عكسية
قادرة على مقاومة افكار ذلك الاحتلال الاستيطاني

( و مع ملاحظة ان الافكار لا يمكن ان تقاوم الا بالافكار) ، و ينسحب هذا الكلام ايضا على الثقافة
العامة للشعب ، او على الاقل فئة الشباب في ذلك المجتمع ، فثقافة الشباب ، و معرفتهم بما يدور
حولهم في هذا العالم ، و ما هي القضايا التي تشغل بال العالم الذي يعيشون فيه ، هي من ادوات
مقاومة الهزيمة الفكرية التي ادت الى احتلال في المقام الاول ، و هؤلاء الشباب هم القادرون على توظيف
هذه القضايا بطريقة تهزم افكار هذا المحتل ( و اكرر هنا ، الافكار لا يمكن هزيمتها الا بالافكار)

و لكن ما رأيته هناك ، هي مأساة بكل ما في الكلمة من معنى ، رأيت شبابا لا يهمهم الا ان يكون معه
(تلفون موبايل جديد مع اخر رنة ) ، و لا يعيرون اهتماما لأمور اساسية تشغل بال كل هذا العالم

فمثلا ( سمعت طالبا في الجامعة يتكلم مع طالب اخر و من جملة المواضيع كان موضوع انو ( احنا ما عنا مطر )
و القرية الفلانية في عندها مطر كثير و احنا بشهر خمسة ، فما كان من ذلك الشخص الا ان علق على الموضوع
بعبارة قال فيها ( تشينو غظب !… يا لطيف !) و معناها ( يمكن الله غضبان علينا ، عشان هيك بيصير فينا هيك)
قال هذه العبارة بطريقة تنم عن اقتناع تام ، و تسليم بالامر الواقع ، و انه لا يمكننا عمل شيء حيال ذلك
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، (هل يمكن لهذا الشاب ان يخطئ مرة واحدة في حياته و يحط على
قناة الجزيرة او العربية و يسمع بشيء اسمه ( ظاهرة الاحتباس الحراري او ظواهر جوية مثل النينو
و النينيو ) التي هي من اسباب هذه الاضطرابات الجوية التي نشاهدها هنا و هناك)

خلاصة هذا كله…

نحن بحاجة الى اجتراح المعجزات ، في طريقة تفكيرنا و عيشنا لكي نتمكن من الصمود ، و عدم الموت
و لا يمكننا ان ننتظر حتى تاتينا لطمة اخرى ، و اذا لم نأخذ درسا من لطمة عام 1948 ، فيجب علينا الموت